روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )

20

عرائس البيان في حقائق القرآن

قوله تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ خاطب الحق سبحانه أهل التوحيد والمعرفة بأنه سبحانه ينشئ في سماء صحو القلب سحائب أنوار فعله على مقادير مشيئته ، وقوة حملها واردات الغيوب ، ويسريها برياح الكرم ، ويجمعها بقوة القدم ثم يجعلها متكاثفات بأثقال أنوار الصفات ، وذلك قوله : ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً ثم ينزل منها قطرات زلال بحر الصفة إلى صحاري القلوب بقوله : فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فإذا كمل الحال ينكشف جبال أنوار الذات ، وينزل منها برد جواهر حقائق علوم القدم ، فيقع على بحار عقول العارفين ، ويتلقاها أصدف الأرواح فيربيها في حواصل الأفئدة والأسرار « 1 » . ثم بيّن خاصية من سبق له الحسنى في الأزل في وصول تلك الجواهر القدوسية بقوله : فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشاءُ . ثم بيّن أن سنا بروق تجلى الصفات ليغلب على أبصار الأرواح والقلوب حين عاينت الحق ، بقوله : يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ . ثم بيّن مقام المحو والصحو ، والقبض والبسط ، وأوقات الاستناد والتجلي بقوله : يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يقلب ليالي الهجران ، ونهار كشف العيان لأهل البيان والامتحان . ثم بيّن أن هذه الإشارات لذوي البصائر من العارفين بقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ أي : بصيرة ومعرفة ، وما بان من فحوى الخطاب من قوله : يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ، وحقائق غلبة مشيئة الأزل على كل مشيئة إذ كل مشيئة قائمة بمشيئته ، وكل إرادة صدرت من إرادته ، فإذا انسلخ الكون وأهله من محل التصرف والإرادة في نفاذ مشيئة تعالى اللّه من كل كائن يقع بخلاف إرادته . قال الواسطي : ما خالفه أحد ولا وافقه ، وكلهم مستعملون بمشيئته وقدرته أنى يكون

--> ( 1 ) ( الودق ) : المطر ، يخرج من فتوقه ووسطه ، وقال القشيري : ترتفع بقدرته بخارات البحر ، فيتصعد ، بتسييره وتقديره إلى الهواء ، وهو السحاب ، ثم يديره إلى سمت يريد أن ينزل به المطر ، ثم ينزل ما في السحاب من ماء البحر ، قطرة قطرة ، ويكون الماء ، حين حصوله في بخارات البحر ، غير عذب ، فيقلبه عذبا ، ويسحّه السحاب سكبا ، فيوصل إلى كلّ موضع قدرا يكون له مرادا معلوما ، لا بالجهد من المخلوقين يمسك عن المواضع الذي عليه ينزله ، ولا بالحيلة يستنزل على المكان الذي لا يمطره .